سُئِل فلان يوما، فأجاب...!!

11 mars 2009

أي عروبة تصح في هذا القرن؟


الدكتور رضوان السيد
مفكر لبناني وأستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية.


في النصف الأول من السبعينات أصدر المفكّر الأستاذ مُنَح الصلح كَراساً بعنوان: عروبة النخبة وإسلامية الجماهير. وكان يقصِدُ أنّ أيديولوجيا النظرية القومية العربية – وعلى خلفيات الجدالات بين القوميين العرب والبعثيين بين الخمسينات والسبعينات- كانت شُغلَ النُخَب وصناعتَها، بينما ظلَّ الإحساس العفْوي لدى عامة الناس إسلاميا ً.

بيد أنّ الفترة التي يتحدث عنها الأُستاذ مُنَح الصُلْح، ما كان خلالَها الجمهور يميِّزُ- وبوعي – بين العروبة والإسلام.والدليلُ على ذلك التأييدُ الجماهيريُّ الكاسح الذي لقيتْهُ دعوةُ الرئيس عبد الناصر العربية.

فالعروبةُ السياسيةُ، والإسلامُ الجماهيري كانا يعنيان معاً في وعي الجمهور وتصرفاته ثلاثة أمور: تحرير فلسطين، ومعاداة الاستعمار، والوحدة العربية. واختلف الأَمْرُ بعد وفاة الرئيس جمال عبدالناصر، والانقسامات التي نزلت بالمقاومة الفِلَسْطينية، وصعود التيارات الإسلامية في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.

إذ حلّت محلَّ الإسلام العربي، والعروبة الإسلامية، ثُنائيةٌ خصاميةٌ ما تزالُ ظاهرةً حتى اليوم. أي ثُنائية العروبة أو الإسلام؛ وبالمعنيين الثقافي والسياسي. وقد صار ذلك واضحاً لدى الجمهور والنُخَب في أكثر أنحاء الوطن العربي بما في ذلك الفلسطينيون بداخل فلسطين وخارجها. وتأخَّر هذا الوعْيُ التمييزي أو الانقسامي بلبنان لبعض الشئ بسبب نشوب النزاع بداخله من حول المقاومة الفلسطينية، وتحوله بسرعةٍ إلى نزاعٍ بين مسيحيي لبنانَ ومسلميه.

الفصام النكد
والواقع أنّ هذا الفِصامَ النكِدَ – كما سمّاه سيد قطب في مناسبةٍ مختلفة- ما حدث قبل السبعينات من القرن العشرين، حتى في وعْي أكثر النُخَب، لغياب أحدٍ طرفيه، أي المشروع الإسلامي للدولة والمجتمع. فَحَتّى المشروع العربي للدولة وليس للمجتمع، والذي ظهرت بعضُ أمائره في مطالع القرن العشرين، على خلفية العداء لنزعة التتريك، ما كان واضحَ المعالم. وصحيحٌ أنّ إلْغاء مصطفى كمال للخلافة عام 1924 أحدث صدْمةً لدى الجمهور العامّ، لكنّ ذلك ما كان سبب وجود وعْيٍ بضرورة إقامة دولةٍ دينية؛ بل لأنّ الناسَ رأَوا فيه عداءً لا مسوِّغَ له للدين الإسلامي.

وفي سياق الإدانات اللاحقة لإجراءات مصطفى كمال الأُخرى تبلْوَرَ لدى بعض النُخَب ذات المنزع الديني، والأُخرى ذات المنزع العلماني، وعْيٌ من نوعٍ ما بالفارق بين الدولة القومية الحديثة، والأُخرى ذات المنزع الإسلامي التقليدي.

ففي العام 1927 كتب رشيد رضا في " المنار" قائلاً إنّ الإسلامَ لا يقبل إقامة دولةٍ في دياره على أساس" الجنسية"، ويقصدُ الإثنية أو القومية. في حين أيَّد عبد الرحمن الشهبندر كما هو معروف، إقامةَ دولةٍ عربيةٍ على الأساس القومي، شأنَ ما قام به مصطفى كمال في تركيا.

أمّا في الواقع؛ فإنّ ثلاثة نماذج للدولة ظهرت لدى العرب بعد العام 1918، عام سقوط السلطنة العثمانية: نموذج دولة الشريف حسين أو الثورة العربية، ونموذج دولة عبد العزيز آل سعود، ونموذج الدولة الوطنية بمصر. والمعروف أنّ دولة الشرفاء زالت عام 1924 بسقوط جدَّة في يد الملك عبد العزيز. وهي منذ قيامها عام 1916/1917 ظلّت تتراوحُ في خطابها بين التمرد على السيطرة التركية، واستعادة الخلافة للعرب، وتوحيد الحجاز وبلاد الشام حسْبما اتفق عليه الشريف حسين في مفاوضاته مع مكماهون.

واستطاع عبد العزيز آل سعود توحيد شمال الجزيرة تحت سيطرته، وطبَّق الشريعة في مملكته التي أعلنها عام 1931، لكنه ما طََمَحَ للخلافة، كما لم يقبل الأُطُرَ الوطنية أو القومية، ولم يطمح لنشْر نموذَجه، كما حاول الشريف حسين من قبل.

النموذج المصري
والنموذج الثالث الأليف أو المقبول في وعي الجمهور وقتَها- كما سبق القول- كان النموذج الوطني المصري. وهو نموذجٌ حدَّدتْ معالِمَهُ حركة العام 1919، وهو نموذجٌ مَدَنيٌّ مُكْتَفٍ بذاته، وطني العنوان، قومي المعنى، للدين فيه مقامٌ رفيع، لكنه لا يقولُ بتدخُّل الدين في إدارة الشأْن العامّ.

وعلى نحوٍ مُقارب قامت الدولة الفيصليةُ بالعراق. واختلف الأَمْرُ كما هو معروف في فلسطين وسورية ولبنان، بسبب استمرار الانتدابين البريطاني والفرنسي من جهة؛ لكنْ أيضاً بسبب المشروع الصهيوني، الذي رعاه البريطانيون في فلسطين، والنزوع الوحدوي لدى العرب المسلمين وبعض المسيحيين في لبنانَ وسورية.

ما المقصود بهذا الاستعراض الموجَز؟ المقصود أنّ حركة الواقع سبقت حركةَ الفكر في المشرق العربي. وأنه كان هناك إحساسٌ في أقطار الشام والعراق بالانتماء العربي العامّ، كما كان هناك إحساسٌ بأنّ العروبةَ هي رابطةٌ تشكِّلُ استمراراً للمعنى العميق للإسلام وهو الوحدة، أو أنها لا تتناقضُ معه.

وإذا تصاعد هذا الشعور فإنه يقفُ في وجه المحلّيّات والإثنيات، باعتبارها مَدْعاةً للمزيد من الانقسام. ورغم اختلاف الواقع بعض الشيئ بين مصر والشام، لنتأمَّلْ ردَّة فعل أحمد شوقي على بطش الفرنسيين في ثورة العام 1925، فهو يقولُ تارةً عن مصر والشام إنهما "ركنان للضّاد" ، أي الرابطة العربية، ويقولُ طوراً: دمشقُ وكنتِ للإسلام ظئراً ومُرضعةُ الأُبوةِ لا تُعَقُّ أي أنّ التضامُن مع دمشق يتمُّ تارةً باسم العروبة، وطوراً باسم الإسلام.

وهذا لا يعني أنه لم تكن هناك نُخَبٌ في الشام ومصر والعراق، تقول بالدولة القومية الواحدة على النمط الأوروبي، وأُخرى تقول بدولة أو دُوَل الواقع، التي فرضها الفرنسيون والبريطانيون.

ولدينا في الثلاثينات من القرن الماضي مشروعاتٌ كتبتْها نُخَبٌ من الشام والعراق ( وحتى مصر) تقول بالدولة العربية - أو حتّى القومية- الواحدة. وأُخرى تقول بالدول الوطنية المتعددة التي قامت في الواقع، والتي يمكن أن يجمعَها إطارٌ أساسُهُ الانتماءُ الإسلاميُّ ( عبد الرزاق السنهوري)، أو الإطار العربي (على نحو ما آلت إليه صيغةُ الجامعة العربية). أمّا التنظيمُ الداخليُّ للدولة المرجوّة فقد كان هناك شبه إجماعٍ على أن يكونَ مدنياً ودستورياً، يقومُ على الانتخابات، وفصل السلطات؛ شأنَ أكثر الدول الأوروبية في حقبة ما بين الحربين.

من القومية إلى الايدلوجيا
متى بدأت العروبة، أو الفكرة القومية تتحول إلى أيديولوجيا؟ الذي أراهُ أن ذلك تمَّ على ثلاث مراحل: مرحلة الجدال بين القوميين العرب والقوميين السوريين، ثم مرحلة الجدال بين القوميين العرب والبعثيين، وأخيراً مرحلة الجدال والتلاقُح بين القوميين العرب والشيوعيين.

في المرحلة الأولى، أي مرحلة ساطع الحصري وأنطون سعادة، كان هناك اهتمامٌ بالشروط أو المُعطيات المؤدّية إلى قيام أمةٍ ما، وفي هذه الحالة الأمة العربية. ومع أنّ المصدر الفكري للطرفين كان الرومانسية القومية الألمانية؛ بدليل التأكيد على " مسألة الوعي" لدى كلٍّ منهما؛ فإنّ ارتباط الأمة بالدولة لدى الحصري أو تماهيها معها كان أقوى- في حين استند سعادة إلى الجغرافية. وطبيعيٌّ أن تكون حُجَجُ الحصري أكبر أثراً وفعاليةً لاقترابها الظاهر من الوعْي السائد يومها، ودخول اللغة والتاريخ في شروط الأمة أو مقوّماتها. لكنْ رغم التشدد والحتمية في قومية الحُصَري؛ فإنّه ظلَّ متردداً –بخلاف سعادة- في إطلاق مصطلح "العقيدة" عليها. فالواقع أنّ الحصري بدأ ألمانياً في رؤيته، لكنه انتهى فرنسياً في أمرين: علمانية الفكرة، وارتباطها بالدولة.

وقد أفاد القوميون العرب من نظرية الحصري في القومية، لكنهم مَضَوا قُدُماً في القول بعقائديتها. وما كان البعثيون أقلَّ منهم جزماً في مسألة العقائدية هذه، وإنما كان خلافُهُمُ الظاهرُ معهم على الأولويات، وعلى الأبعاد. واليومَ وقد مضت على صراعات الخمسينات والستينات عدةُ عقود؛ نعرفُ أنّ الخلاف الحقيقيَّ ما كان على المفاهيم، بل كان سياسياً. فقد ارتبط وعْيُ القوميين بمسألتين: تحرير فلسطين، والتطلُّع إلى مصر باعتبارها الرافعةَ في الفكرة العربية، وفي تحقيق قيام الأمة والدولة من طريق الوحدة.

وقد بلغ التطور الأيديولوجي ذِروتَهُ في الجدالات التي اشتعلت بين القوميين على اختلاف فئاتهم من جهة، والشيوعيين من جهةٍ ثانية؛ وخلال العقد الخطير في تاريخ العرب الحديث(1956-1965). وكما كان الأمر بين البعثيين والقوميين العرب؛ فإنّ الصراع رغم طابعه النَظَري الظاهر ( قومية أو أُممية)؛ كان سياسياً بامتياز. فقد تهمَّشَ الشيوعيون كفريق سياسي، لكنّ القوميين أفادوا منهم إفاداتٍ جَمَّةً في العقائدية والحتمية والطليعة الثورية والحزب القائد. وقد انتهى الأمر كما هو معروف بالتحالُف بين هذين الخصمَين داخل المعسكر السوفياتي خلال حقبة الحرب الباردة.

الصدام الأيدولوجي
ما علاقة تطور الفكرة القومية إلى أيديولوجيا سائدة بين النُخَب من جهة، وحاكمة من جهةٍ أُخرى- بصعود التيارات الإسلامية في مشرق العالَم العربي ومغربه؟

لستُ أرى أنّ هناك علاقةً بين الأمرين بخلاف ما تقوله أبحاثٌ كثيرةً ظهرت خلال العقدين الأخيرين. فبحسب بعض دارسي الفكر القومي العربي، والفكر الماركسي العربي؛ فإنّ الطرفين أهملا الدينَ أو حَمَلا عليه، فكان ذلك بين أسباب صعود تيارات إسلامية حزبية أو غير حزبية، تنكَّرت للقومية، كما تنكَّرت للفكر الماركسي! ورأْيي أنَّ القوميين على اختلاف اتجهاتهم وتياراتهم ما تنكَّروا للإسلام، كما أنّ الشيوعيين العرب تجنبوا إلى حدٍ بعيدٍ نقد الدين أو الاصطدام بالمتدينين في الأربعينات والخمسينات.

وقد كان الإسلاميون ( وأعني بهم الإخوانَ المسلمين) قبل أن يتحولوا إلى الحزبية، ويصبح لهم مشروعهم للدولة والمجتمع، يخلطون بين العروبة والإسلام، شأنَ فئاتٍ كثيرةٍ في المجتمعات العربية. كما أنّ الإسلاميين هؤلاء ظلُّوا يتبنَّون أُطروحاتٍ ورؤى اشتراكية حتى أواخر الخمسينات. وهكذا فإنّ الصدام الأَيديولوجي بين الإسلاميين والقوميين حدثَ فيما بعد ولثلاثة أسباب: الاصطدام بالأنظمة القومية العربية، وتطور مشروع إسلامي جديد للمجتمع والدولة، وظواهر الاصطفاف والصراع خلال الحرب الباردة. ولنقرأْ أولاً المجريات والتطورات.

الحركات الإسلامية في تاريخ العرب الحديث والمعاصر، هي مثل الحركات القومية في الأصل، أي أنها حركات هوية. لكنْ بسبب الحساسية الدينية؛ فإنها تقدمت عليها تاريخياً في مجالنا الحضاري، كما أنها ظلّتْ أقلَّ قدرةً على التلاؤم مع الوقائع المستجدَّة.

والمعروف أنه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، قامت حركةُ إصلاحٍ إسلامي، تتقصَّدُ التلاؤمَ مع مجريات الحداثة أو التحديث، وهي التي عُرفت في المشرق باسم مدرسة محمد عبده، وفي المغرب العربي باسم الإحياء السَلَفي.

بيد أنّ الحداثة الزاحفة من جهة، وتطورات حقبة ما بين الحربين، ضربت التلاؤمية الإصلاحية، لصالح تياراتٍ وحركاتٍ للحفاظ على الهوية الطهورية الإسلامية. وقد أرعب الكثيرين من المتدينين إلْغاءُ الخلافة عام 1924، وسيطرة المستعمرين الغربيين على كلّ ديار الإسلام باستثناء بعض أجزاء الجزيرة العربية.
الوعي الجديد

وبمقتضى هذا الوعي الجديد فقد انتشرت في الثلاثينات والأربعيناتُ، وعلى أيدي دُعاةٍ جُدُدٍ لا ينتمون في الغالب إلى رجالات المؤسسة الدينية التقليدية، الجمعيات والهيئات والمدارس التي تُكافحُ النَمَط الغربي في التربية والتعليم والعيش والسلوك، وتُصدرُ الكتابات الكثيرة في تمجيد الماضي الإسلامي، وفي مهاجمة التبشير والاستشراق باعتبارهما أداةَ المستعمر في نشر ثقافته المعادية للإسلام.

وقد اكتسبت الحركاتُ الجديدةُ هذه شعبيةً في صفوف الطبقة الوسطى، والفئات الفقيرة، لاهتمامها بالتوجه إلى تلك الفئات في الخطاب والخدمات. وازدادت شعبيتُها خلال الحرب العالمية الثانية، بسبب ظروف الضيق المعيشي من جهة، وظهور هشاشة الدولة الجديدة أمام المستعمر.

وما كانت لدى زعمائها في البداية تطلعاتٌ سياسيةٌ كبيرة، لاهتمامها بالمسائل ذات الطابع الديني والرمزي بالدرجة الأولى. وعندما تدخلت في الشأن العامّ بمصر للمرة الأولى، فقد كان ذلك على خلفيةٍ وطنيةٍ، باغتيال بعض السياسيين الموالين للإنجليز، وإثارة العامة على مظاهر التغريب، والتعرُّض للمنشآت اليهودية عندما بدا الصراع في فلسطين.

ثم إنهم قاتلوا في فلسطين عام 1948، وضد البريطانيين على قناة السويس عام 1951. ولذا فقد اجتذبوا إلى صفوفهم أو إلى جوارهم الشبان الوطنيين المتحمِّسين، وكان منهم بعض الضباط الأحرار. ولذا يقال إنهم كانوا الفريق الوطني الوحيد الذي يعلم بموعد الثورة.

ثم حدث ما صار معروفاً، إذ أرادوا أن يكونوا شريكاً أساسياً في السلطة الجديدة، وما وافق الضباط، ويقال إنهم حاولوا اغتيال جمال عبد الناصر زعيم الضباط عام 1954، فجرى حَظْرُهُم وسَجْنُ الآلاف منهم، وأعدمت المحاكم الثوريةُ ستةً منهم.

لكنْ في مُوازاة هذه الأحداث، كانت تتطور لديهم بداخل السجون وخارجَها نظريةٌ إسلاميةٌ للسلطة، ما كانت متوافرةً من قبل. ففي الوقت الذي كان فيه العروبيون يتجادلون في الأبعاد الاجتماعية للنظرية القومية في أواسط الستينات، كان سيّد قُطب قد أصدر كتابَهُ: " معالم في الطريق" الذي يضعُ فيه الحاكمية الإلهية في مواجهة الجاهلية المُعاصرة.

ومع أنه قال في الكتاب إنه ليس من حقّ أحدٍ أن يطلبَ من الإسلاميين برنامجاً، وإلاّ فدُلُّوني على برامج الضباط عندما وصلوا للسلطة(!) فإنه فيما بين العامين 1964 و1974 ظهرت مئات الدراسات في رؤيتهم الإسلامية للاقتصاد والبنوك اللاربوية، وللمجتمع ووحدة ثقافية، وللهجمة الاستعمارية والشيوعية والغزو الثقافي، وللطريق الإسلامي لتحرير فلسطين.

وهكذا، ففي الوقت الذي كان فيه عاملا الصراع على السلطة، وتكون نظرية السلطة لديهم يتكاملان، دخل عاملٌ ثالثٌ وصار بسرعةٍ بالغَ التأثير. فقد حدث في الستينات من القرن الماضي الاصطفاف العربي مع طرفي الصراع في الحرب الباردة. والتقى الإخوان المسلمون الهاربون من نظام عبد الناصر، والآخَرون القادمون من سورية والأردنّ وفلسطين في أقطار الخليج؛ فقادوا من هناك حرباً ثقافيةً باسم الإسلام على الأنظمة القومية التقدمية التي كانت قد سيطرت في البلدان الرئيسية في مشرق العالم العربي ومغربه.

وفي هذه الفترة بالذات، والتي يسميّها مالكولم كير: "الحرب الباردة العربية"، بدأ الحديث عن الكفر الاشتراكي، وعن العقائدية القومية المُعادية للدين، وعن حكم الله في مواجهة حكم طواغيت الضباط. وما أن حلّت السبعيناتُ حتى كانت أيديولوجيات البديل الإسلامي، والحلّ الإسلامي، والدولة الإسلامية، التي تُطبّق الشريعة، قد تكاملت واكتملت.

وفي هذه الفترة أيضاً، أي مع اكتمال نظرية السلطة لدى الإسلاميين الجُدُد، بدأت الثُنائيات: عروبة أو إسلام، واشتراكية أو إسلام، وأصالة أو تغريب.وجاء موت الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970 بعد هزيمة العام 1967، لكي تُصبح تلك الثُنائية بالتدريج حقيقةً واقعة.

فقد كان الرئيس جمال عبد الناصر شخصيةً هائلة الجماهيرية، وقد تعرّتْ التجربة السياسية العربيةُ القوميةُ والتقدميةُ بعد غيابه تعرياً كاملاً؛ وما تزالُ كذلك حتى اليوم وإن تكن الجدالاتُ بشأن القومية والإسلامية قد خمدت منذ التسعينات.

ويرجعُ ذلك لأمرين: أنّ الأنظمة القومية السابقة ما عادت لها هوية يمكن الجدالُ معها- وأنّ النقاش انتقل إلى ثنائيةٍ أُخرى ليست أقلّ سوءًا: نظام علماني أو نظام ديني!

وأُريدُ أن أُضيفَ ملاحظةً أُخرى عن تطورات الإسلام السياسي، قبل أن أعودَ لمراجعة الأُطروحة بشأن علاقة الأيديولوجيا القومية بصعود حركات الإسلام السياسي. ففي السبعينات جرى تلاقُحٌ في سائر أنحاء العالم العربي بين إحيائية الإخوان المسلمين، والسلفية. وقد نجم عن ذلك سَرَيان التسيُّس بالذي جَرَّبه الإخوان خلال الصراع مع السلطات القومية التقدمية، إلى السلفية أيضاً.

وقد ظهر ذلك في صورة حركاتٍ عنيفةٍ واغتيالات بمصر وسورية خلال السبعينات، وبلغت ذروتَها بقيام تنظيم الجهاد باغتيال الرئيس أنور السادات عام 1981. ثم جرت الاستعانةُ من جانب الولايات المتحدة بالجهاديين هؤلاء ضد السوفيات في أفغانستان؛ فأعلنت "الجهاديةُ السلفيةُ" عن نفسها بهذا العنوان من خلال تنظيم "القاعدة"، وبنتيجة ذلك كلِّه كان هذا الانفجار العنيف الذي تصدَّع تحت وطأته العالمُ العربيُّ في المشرق والمغرب.

البحث عن التحديث
تُمثّلُ الفكرةُ العربيةُ في تاريخ العرب الحديث والمعاصر إذن، حركة بحثٍ من جانب النُخَب العربية خلال القرن العشرين، عن إطارٍ حديثٍ للحياة والثقافة والنشاط والتنظيم والدولة. بيد أنّ هذه الفكرة ما بقيت بيد الجمهور أو بيد النُخَب إلاّ أقلَّ من عَقدين. وقد تسلَّمَها خلال وقتٍ قصيرٍ العسكريون العرب، وفي البلدان التي شهدت نشوءَها.

وباسم تلك الفكرة حكم هؤلاء الضباط والمتربِّعون في السلطة زُهاء أربعة عقودٍ في عَشْر دُوَلٍ عربية. وربما كانت الأدلجةُ الشديدةُ التي خالطت العروبة، قد أثَّرتْ سلْباً على جماهيرية تلك الفكرة الاستراتيجية. بيد أنّ الضربة القاضية عليها إنما أتتْ من جانب الأنظمة القومية ومُمارساتها، وليس من جانب خصومها من الدوليين أو الإسلاميين أو الإسرائيليين.

ولا شكَّ أنّ المنظِّرين للعروبة ما كانوا هم السبب في صعود التيارات الإسلامية، التي ما لبثت أن خاضت جدالاتٍ عنيفةً ضدَّها. فقد أوضحْتُ في هذه العجالة أنّ مُجادلة العروبة من جانب الإسلاميين ما صارت جادّةً إلاّفي أواسط الستينات. وأنّ الجدال وإن اتخذ طابعاً نظرياً؛ فإنّ أسبابه كانت سياسيةً بحتة. فمن جهة أساءت الأنظمة القومية إلى الفكرة إساءاتٍ بالغة، لطرائقها في استعمالها من أجل السطوة والشرذمة والإضعاف والتهميش. ومن جهةٍ أُخرى فإنّ الإسلاميين الجُدُد أفادوا من فشل الأنظمة للهجوم عليها وعلى العروبة.

لكنْ، لماذا اكتسب الإسلامُ السياسيُّ هذه الجماهيرية الهائلة؟ في الواقع لا يمكن إعادةُ ذلك إلى فساد أو خَطَل فكرة العروبة. فهناك طبعاً سوءُ الأنظمة القائمة. وهناك ظروف الحرب الباردة التي أطلقت الأفكار والأقلام.

لكنْ هناك أيضاً موجة الإحياء الديني على مستوى العالَم. وما بلغت الإسلاميةُ الجديدةُ ذروتَها إلاّ في الثمانينات وما بعد. وعندما حدث ذلك، أي الصعود الجماهيري للإسلاميين؛ كان مقترناً أو متوازياً مع إحياءٍ قويٍ في سائر ديانات العالم.

وما تزالُ موجةُ الإنجيليين الجُدُد في صعودٍ حتى الآن. وهكذا لا علاقة في المبدأ بين الهبوط العروبي، والصعود الإسلامي. وإنما إلى جانب الصحوة الدينية العالمية؛ ربما أسهمَ غيابُ الفكرة العربية عن الساحة الثقافية والأُخرى السياسية؛ في تقدم الإسلاميين لملء الفراغ.

إنما حتى في هذه الحدود، لا تسْري فكرة الأستاذ مُنَح الصلح بشأن جماهيرية الإسلام، وعروبة النُخَب، على أوضاعنا الحالية. فالإسلام الجماهيري هو إسلامٌٌ جديدٌ علائقُهُ بالتجربة الإسلامية القديمة أو الحديثة، ضعيفة. فهناك حياةٌ شعائريةٌ زاخرة في العبادات وفي اللباس وفي إدارة العيش. وهناك نظريةٌ متكاملةٌ لدى الإسلاميين في إدارة المجتمع والدولة، علاقتُها بالتجربة الكلاسيكية، والأُخرى الحديثة، من حيث المفاهيم والآليات والسلوك ، ضعيفة أو معدومة. ومن جهةٍ أُخرى، ما عاد هناك معنىً واضح لعروبة النُخَب، وهي لا تستطيعُ منافسةَ البديل الإسلامي أو الحلّ الإسلامي.

ــــــــ
نص الكلمة التي ألقاها الدكتور رضوان السيد في مؤتمر: مستقبل العروبة.. أي عروبةٍ تصحُّ في القرن الحادي والعشرين؟ عقد في 28 شباط/فبراير بفندق البريستول ببيروت


مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي" - 2009/03/10